عبد الملك الثعالبي النيسابوري

193

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

فصل من أولها كتابي وأنا مترجّح بين طمع فيك ، ويأس منك ، وإقبال عليك ، وإعراض عنك ، فإنّك تدل بسابق حرمة ، وتمت بسالف خدمة ، أيسرهما يوجب رعاية ، ويقتضي محافظة وعناية ، ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة « 1 » ، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية . وأدنى ذلك يحبط أعمالك ، ويمحق كل ما يرعى لك ، لا جرم أني وقفت بين ميل إليك ، وميل عليك : أقدم رجلا لصدمك . وأؤخر أخرى عن قصدك ، وأبسط يدا لاصطلامك واجتياحك « 2 » ، وأثني ثانية لاستبقائك واستصلاحك ، وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك ، ضنا بالنعمة عندك ، ومنافسة في الصنيعة لديك ، وتأميلا لفيئتك وانصرافك ، ورجاء لمراجعتك وانعطافك ، فقد يغرب « 3 » العقل ثم يئوب ، ويعزب اللب ثم يثوب ، ويذهب الحزم ثم يعود ، ويفسد العزم ثم يصلح ، ويضاع الرأي ثم يستدرك ، ويسكر المرء ثم يصحو ، ويكدر الماء ثم يصفو ، وكل ضيقة إلى رخاء ، وكل غمرة فإلى انجلاء « 4 » . وكما أنك أتيت من إساءتك بما لم تحتسبه أولياؤك ، فلا بدع أن تأتي من إحسانك . بما لا ترتقبه أعداؤك ، وكما استمرت بك الغفلة حتى ركبت ما ركبت ، واخترت ما اخترت . فلا عجب ان تنتبه انتباهة تبصر فيها قبح ما صنعت ، وسوء ما آثرت . وسأقيم على رسمي في الإبقاء والمماطلة ما صلح ، وعلى الاستيناء والمطاولة ما أمكن « 5 » ، طمعا في إنابتك « 6 » ، وتحكميا لحسن الظن بك ، فلست أعدم فيما أظاهره من أعذار ، وأرادفه من إنذار ، احتجاجا عليك

--> ( 1 ) الغلول : الحقد والغش . ( 2 ) الاصطلام : الاقتطاع من الأصل . ( 3 ) يعزب : يبعد ويغيب . ( 4 ) الغمرة : الشدّة . ( 5 ) الاستيناء : التمهّل . ( 6 ) الإنابة : العودة والتوبة .